أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
18
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ذكر نهوض الموغول على السلطان ، وكيف تضعضعت منه الأركان ثم إن الموغول نهضت من جهة المشرق على السلطان حسين ، فاستعد لهم وقطع جيحون ووقع الحرب بين الجهتين ، فانكسر السلطان ، فراسلهم أيضا ذلك الجان ، واسم حاكمهم « قمر الدين خان » ، فأجابوا مراده ، واقتفوا ما أراده ، وسلطوه على السلطان ليستخلص من يده بلاده ، وواعدوه بمصاهرتهم ، وأمدوه بمظاهرتهم ، ورجعوا إلى بلادهم وقد أسلموه زمام قيادتهم ، فقويت بذلك شوكته ، وسكنت القلوب هيبته ، فلم يسع السلطان إلّا بذل الجهد والإمكان ، في إطفاء نائرته ، وقطع دابرته ، فجعله نصب عينيه ، وتوجه بنفسه إليه ، بعسكر جرار ، كالبحر الزخار ، حتى انتهى إلى مكان يسمى قاغلغار ، وهو صدفان ، بينهما مضيق ، هو الجادة العظمى والطريق ، يسير المار في ذلك مقدار ساعة ، وفي وسط الدرب باب إذا أغلق وأحمي ، فلا شيء مثله في المناعة ، وحواليه جبال ، كل منها عرنينه قد شمخ ، وقدمه قد غاص ثبوتا ورسخ ، فصح أن يقال فيه أنف في السماء ، واست في الماء ، فأخذ العسكر فم ذلك الدربند ، من جهة سمرقند ، وتيمور الجانب الآخر ، وهو كالمضايق والمحاصر . ذكر الحيلة التي صنعها ، والخديعة التي ابتدعها فقال تيمور لأصحابه : إني أعرف ههنا جادة خفيه ، مسالكها أبيه ، لا تطأها الخطا ، ولا يهتدي إليها القطا ، فهلم نسري ليلنا ، ونقود في المسرى خيلنا ، فنصبحهم من ورائهم وهم آمنون ، فإن أدركناهم ليلا فنحن الفائزون ، فأجابوه إلى ذلك ، وشرعوا في قطع تلك الوعور والمسالك ، وساروا ليلهم أجمع ، وبلغ الفجر المطلع ، فأدركهم الصباح ولم يدركوا الجيش ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتنكد لهم العيش ، ولم يمكنهم الرجوع ، وأذنت الشمس بالطلوع ، فوصلوا إلى العسكر وقد أخذ في التحميل وعزم على الرحيل ، فقال أصحابه : بئس الرأي فعلنا ، في قبضة العدو حصلنا ، لقد وقعنا في الأشراك ، وألقينا بأيدينا أنفسنا إلى